عبد القاهر الجرجاني
22
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
ولا خيرَ في حِلْم ، إذا لم تَكنْ لَهُ . . . بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا ولا خيرَ في جَهلٍ ، إذا لمْ يَكنْ لَهُ . . . حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا فقال صلى الله عليه وسلم : " أَجَدْتَ ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ " . قال الراوي : فنظَرتُ إليه ، فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ ، ما سَقطتْ له سِنٌّ ولا انفلَّت ، تَرِفُّ غَروبُه 1 . ومِنْ ذلك حديثُ كعبِ بنِ زهيرٍ رُويَ أنَّ كعباً وأخاه بحيرًا خرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف ، فقال كعب لبجير : الق هذا الرجل وأنا مقيم ههنا ، فانظرْ ما يقولُ . وقَدم بُجَيرٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرَضَ عليه الإسلامَ فأَسْلمَ ، وبلغَ ذلك كَعْباً ، فقالَ في ذلك شعراً ، فأهْدَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم دَمه ، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولُ : إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمداً رسولُ الله ، قَبِلَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسقطَ ما كانَ قبلَ ذلك ، قال : فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة : بانتْ سُعادُ فَقلبي اليومَ مَتْبولُ . . . مُتَيَّمٌ إثْرَها ، لمْ يُفْدَ ، مغلولُ وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذا رحَلَتْ . . . إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ . . . كأنَّه مُنْهلٌ بالراح معلول 2
--> 1 الشعر في ديوانه النابغة الجعدي ، والخبر وتخريجه في تهذيب الآثار ، مسند عمر ، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي 8 : 126 ، و " البوادر " جمع " بادرة " ، وهي ما يسبق به اللسان من الكلام عند الغضب . وقوله : " ولا انفلت " أي ولا انثلمت له سن . و " ترف غروبه " أي تبرق ثناياه ، و " غروب الأسنان " هي منافع ريقها ، وأطرافها وحدتها وماؤها وصفاؤها . و " البرد المنهل " والمتساقط . 2 " المتبول " من " تلبه الحب " إذا أضناه وأفسده أو ذهب بلبه وعقله . و " المتيم " ، والمذلل المعبد . و " المغلول " من وضع الغل في عنقه . وفي رواية " مكبول " ، وهو المقيد بالكبل أي القيد .